حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
274
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
التفسير : لما حكى عن القوم عظيم كفرهم وفظيع قولهم بين غاية كرمه وسعة رحمته حيث إنه لا يعاجلهم بالعقوبة فقال : وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ الآية . فزعم بعض الطاعنين في عصمة الأنبياء أنه أضاف الظلم إلى ضمير الناس والأنبياء من جملة الناس فوجب أن يكونوا ظالمين عاصين ويؤكدا هذا قوله : ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ فإنه لو لم يصدر من الأنبياء ذنب لم يكن لإفنائهم وجه وحينئذ لم يصدق أنه لم يبق على الأرض واحد . والجواب لا نسلم عموم الناس في الآية لقوله سبحانه في موضع آخر فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ [ لقمان : 32 ] ولا ريب أن المقتصدين والسابقين ليسوا ظالمين ، فإذن المراد بالناس إما كل العصاة الذين استحقوا العقاب ، أو الذين تقدم ذكرهم من المشركين . وأما قوله : مِنْ دَابَّةٍ فعن ابن عباس أنه أراد من مشرك يدب عليها نظيره قوله : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا [ الأنفال : 55 ] ولو سلم أن المراد بها كل من يدب عليها فلعل الهلاك في حق الظلمة يكون عذابا وفي غيرهم امتحانا فقد وقعت هذه الواقعة في زمان نوح عليه السلام . وأيضا من المعلوم أنه لا أحد إلا وفي آبائه من يستحق العذاب ، فلو أهلكوا لبطل نسلهم ولأدى إلى إفناء الناس ، بل الدواب كلها لأن الدواب مخلوقة لمنافع العباد ومصالحهم . عن أبي هريرة أنه سمع رجلا يقول : إن الظالم لا يضر إلا نفسه فقال : بلى واللّه حتى إن الحبارى لتموت في وكرها بظلم الظالم . وعن ابن مسعود : كاد الجعل يهلك في جحره بذنب ابن آدم . وقيل : لو يؤاخذهم لانقطع القطر وفي انقطاعه انقطاع النبت وفي انقطاع النبت فناء الدواب . قالت المعتزلة : في الآية دلالة على أن الظلم والمعاصي ليست من أفعال اللّه تعالى وإلا لم يؤاخذهم بها فرضا ، ولم يضف الظلم إليهم ولم يذمهم على ذلك . وفي قوله : بِظُلْمِهِمْ دليل على أن الظلم هو المؤثر في العقاب ، فإن الباء للعلية . وجواب الأشاعرة معلوم وهو أنه لا يسأل عما يفعل ، وأيضا المعارضة بالعلم والدواعي ووجوب انتهاء الكل إليه . قال بعض الأصوليين : الأصل في المضار الحرمة لأن الضرر لا يجوز أن يكون مشروعا ابتداء بالإجماع ولقوله تعالى : ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [ الحج : 78 ] يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ [ البقرة : 185 ] ولقوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا ضرر ولا ضرار » في الإسلام « ملعون من ضر مسلما » ولا أن يكون مشروعا على وجه يكون جزاء عن جرم سابق بهذه الآية لأن كلمة « لو » وضعت لانتفاء الشيء لانتفاء غيره . فالآية تقتضي أنه تعالى ما آخذ الناس بظلمهم وأنه ترك على ظهرها دابة كما هو المشاهد إذا ثبت هذا الأصل فنقول : إذا وقعت حادثة مشتملة على المضار فإن وجدنا نصا على كونها مشروعة قضينا به تقديما للخاص على العام وإلا قضينا عليها بالحرمة بناء على هذا الأصل . ولقائل أن يقول : لم لا يجوز أن